ابن العربي

663

أحكام القرآن

المسألة السادسة - قال مالك : لا يحلّ صيد الذمّىّ بناء على أنّ اللّه خاطب المؤمنين المحلّين في أول الآية ، فخرج عنهم أهل الذمة ، لاختصاص المخاطبين بالإيمان ، فيقتضى ذلك اقتصاره عليهم إلا بدليل يقتضى التعميم . وليس هذا من باب دليل الخطاب الذي هو تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء ، ليدلّ على أنّ الآخر بخلافه ، ولكنه من باب أنّ أحد الوصفين منطوق به ، مبيّن حكمه ، والثاني مسكوت عنه ، وليس في معنى ما نطق به . فإن قيل : إن كان مسكونا عنه فحمله عليه بدليل قوله تعالى « 1 » : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ، وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ . قلنا : هذا يدلّ على جواز أكل طعامهم . والصيد باب آخر ؛ فلا يدخل في عموم ذكر الطعام ، ولا يتناوله مطلق لفظه . فإن قيل : نقيسه عليه ؛ فإنه نوع ذكاة ، فجاز من الذمي كذبح الإنسى . قلنا : للمقدور عليه مما يذكّى شروط ، ولما لا يقدر عليه شروط أخر ؛ ولكل واحد منهما موضوع وضع عليه ، ومنصب جعل عليه ، ولا يجوز الإلحاق فيما اختلف موضوعه في الأصل ؛ وهذا فنّ من أصول الفقه بيناه في موضعه . المسألة السابعة - أمّا صيد المجوسىّ فإنه لا يؤكل إجماعا ؛ لأنّ الصّيد الواقع منه داخل تحت قوله تعالى « 2 » : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ والمجوسىّ إنما يزعم أنه يأكل ويشرب ، ويتحرّك ويسكن ، ويفعل جميع أفعاله لغير اللّه سبحانه . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « 3 » : إذا ذكرت اسم اللّه على كلبك المعلّم فكل . فإن قيل : فالذمىّ لا يذكر اسم اللّه ويؤكل صيده . قلنا : لا يؤكل صيد الذمي في أحد القولين فيسقط عنا « 4 » هذا الالتزام . وإن قلنا : إنه يؤكل فلمطلق قوله تعالى « 5 » : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ على أحد الأدلة « 6 » ، وعلى الدليل الثاني نأكله لأنهم لم يخاطبوا بفروع الشريعة . وعلى الدليل الثالث يكون

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 5 . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية 121 . ( 3 ) صحيح مسلم : 1532 ( 4 ) في ل : عندنا . ( 5 ) سورة المائدة ، آية 5 . ( 6 ) في ل : أحد القولين .